قراءة في فكرة القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي

قراءة في فكرة القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي

بقلم الأستاذ سي ناصر عبد الحميد
لقد تعددت الآراء و اختلفت بين متفهم و متنكر لفكرة مالك بن نبي حول 
القابلية للاستعمار[i]، كما تعددت التفاسير و الشروح لها كلا حسب فهمه من 
جهة و ميوله و رغبته من جهة أخرى، إلا أنه و رغم الأهمية العلمية لهذه 
الكتابات بالتعريف بفكر مالك بن نبي رحمه الله، بصفة عامة و فكرة القابلية 
للاستعمار بصفة خاصة، لم نجد في هذه التفاسير من استطاع أن يشرح مضمون 
الفكرة بشكل يتماشى و رؤية الأستاذ مالك الكلية لمفهوم الحضارة، من جهة 
أنها إرادة إنسانية و اجتماعية و في نفس الوقت، مسؤولية تقتضي من المجتمع 
الحفاظ عليها إذا ما تمكن من تحقيقها عبر تاريخيه و إلا انتقمت هذه الحضارة
– الفكرة- بشكل يكون الاستعمار هو الصورة الواقعية لهذا الانتقام.

نعتقد من هذه الزاوية يجب النظر إلى مفهوم القابلية للاستعمار، لهذا سنعمل 
في هذا المقال على تبيين ذلك انطلاقا من رؤيته للمجتمع و التاريخ.
كما 
لا بد أن نشير قبل البدء في مناقشة الموضوع، أننا في هذا المقال لا نزعم 
التفصيل في مفهوم كلمتي المجتمع و التاريخ في الرؤية البنابية و لكن سنحاول
قراءتهما وفق علاقتهما بفكرة القابلية للاستعمار، لهذا نستسمح من هو أقدر 
منا على فهم فكر الأستاذ مالك بن نبي أن يراعي هذه الملاحظة كي لا يسيء 
فهمنا أو يتهمنا بالخروج عن الموضوع.
يحدد الأستاذ مفهوم المجتمع من 
زاوية وظيفية، فهذا الأخير لا يمكن أن نطلق عليه وصف المجتمع إلا إذا حكمته
وظيفة تاريخية تفرز حركة تاريخه من خلال إنتاجه لوسائلها من جهة و 
المحافظة على وتيرت هذه الحركة من جهة أخرى، مع تحديد الهدف من وراء هذه 
العملية الاجتماعية. فالوظيفة التاريخية، في نظر الأستاذ مالك بن نبي، تخلق
لهذا الكائن، الذي نطلق عليه وصف مجتمع، دينامكية متواصلة تمكنه من القدرة
على الاستمرار و البقاء، حين تدفع به نحو تجديد نشاطه و التغلب على بواعث 
الركود التي ورثها من مرحلة ما قبل الحضارة، المرحلة التي لم يكن قد استوفى
فيها بعد شرط صفة المجتمع، لهذا كانت الوظيفة التاريخية شرطا موضوعيا يحقق
لجماعة بشرية ما المبرر التاريخي الذي يمكنها من التحول من تجمع بشري 
تحكمه قوانين الطبيعة البدائية إلى مرحلة يعود فيها قادرا على توظيف هذه 
القوانين من أجل غايته و أهدافه أو بعبارة أخر يصبح فيها كائن صانعا 
لتاريخ، من خلال خضوعها إلى مبدأ الحركة أو كما يسمى مبدأ التطور و 
التغيير، ففي نظر الأستاذ مالك بن نبي " … كل جماعة لا تتطور و لا يعتريها 
التغيير في حدود الزمن، تخرج بذلك من التحديد الجدلي لكلمة مجتمع"[ii]. 
فالحركة أو دينامكية كما سبق الإشارة إليها، تتشكل وفق الرؤية البنابية في
تفاعل عوالم ثلاثة، حيث يعمل عالم الأفكار على رسم الصورة المرجعية و 
الإيديولوجية لهذه الحركة و عالم الأشخاص يحدد غاياتها و أهدافها و عالم 
الأشياء يشكل وسائلها و مادتها الأولية، ضمن شبكة علاقات اجتماعية تأشر 
درجة التوتر فيها على قوة ترابط أجزاء هذه العوالم كما يحدد ناتجها فعالية 
المجتمع في التاريخ، فـ" المجتمع ليس مجرد اتفاق عفوي بين الأشخاص و 
الأفكار و الأشياء، بل هو تركيب هذه العوالم الثلاثة، التركيب الذي يحقق 
معه ناتج هذا التركيب في اتجاهه و في مداه تغيير وجه الحياة، أو بمعنى أصح :
تطور هذا المجتمع"[iii]
لهذا كانت من مقتضيات الوظيفة التاريخية في 
رسم معالم المجتمع التاريخي، تحدد شكل علاقاته الداخلية، حين تكيف هذه 
الأخيرة، الغرائز البدائية للفرد مع متطلباتها الموضوعية، فتحوله بدوره إلى
شخص مشروطة (conditionné) فيه هذه الأخيرة بشروط هذه الوظيفة و بالتالي 
يتحرر من مقتضيات مرحلة ما قبل الحضارة، فلا يعود كائن غرائزي مصبوغ 
بقوانين المرحلة الطبيعية، بل يخمد مفعولها السلبي المعيق لقدرته على تجاوز
ركود وسطه البدائي[iv]، لصالح مضمون الوظيفة الاجتماعية الجديدة، و بذلك 
تتحول إلى صفات اجتماعية تصب في بوتقة العمل الاجتماعي المشترك الذي تمليه 
متطلبات الطور التاريخي الجديد، فتصطبغ شخصيته بأهداف و مبتغيات المجتمع 
الكبرى ليعود بدوره كائن وظيفي منسجم مع مضمون دوره الاجتماعي الجديد. ذلك 
أن علاقة الفرد بالمجتمع في المرحلة التي يبدأ فيها هذا الأخير بالاتجاه 
نحو القيام بدور تاريخي معين، تصبح علاقة وظيفية، حيث لا يمكن تقييم دور 
الفرد إلا من خلال قدرته على الانسجام و وظيفة المجتمع، و عليه يعد هذه 
الطور، طورا متميزا من أطوار الحضارة في الرؤية البنابية، فقد بلغة درجة 
الانسجام بين عناصره أسمى درجات التكيف الاجتماعي. 
إلا أن و برغم أن 
بداية تشكل المجتمع تعتمد في نظر الأستاذ مالك على دور الفرد ككائن وظيفي 
في بناء دعائم المجتمع التاريخي، كما سبق الإشارة إليها في الفقرة السابقة،
إلا أن سرعان ما تتحول هذه مركزية من الفرد إلى المجتمع في المرحلة التي 
تكون قد اكتملت فيها صورة الحضارة، أي في المرحلة التي يصبح فيها الإمكان 
الحضاري ضرورة ملحة لإحداث التوازن الاجتماعي، ذلك أن التوسع الجغرافي الذي
أحدثه التمدد الطبيعي للمجتمع نجم عنه متطلبات جديدة لم تكن ملزمة للمجتمع
في مرحلته الأولى حين كان الإمكان الحضاري عنصرا غير ذي بال في وجدان 
الفرد. فقد تبدلت تركيبة الفرد النفسية بتبدل الطور الحضاري للمجتمع.

من هنا أصبح من مقتضيات الوظيفة التاريخية في هذه المرحلة الحضارية، ضرورة 
توفير المجتمع للفرد الضمانات الاجتماعية اللازمة لتوجيه جهده و نشاطه نحو 
غايات هذه الوظيفة، فنشاط أي فرد يولد في مجتمع ما مرهون بمدى قدرة هذا 
الأخير على توفير هذه الضمانات، ذلك أن الفرد في الرؤية البنابية، ليس مجرد
كائن منعزل في وسطه البشري، بل هو كائن مرتبط ارتباط عضويا بهذا الأخير. 
لهذا كانت الضمانات الاجتماعية في هذا المرحلة من مراحل الحضارة ليست إلا 
حق الفرد على المجتمع من حيث مسؤولية هذا الأخير على تكييف نشاط أفراده، 
حيث أن فعاليتهم في نظر الأستاذ مالك تعتبر النتيجة الطبيعية لإمكانات وسطه
الاجتماعي، حيث لا يمكنه أن يحقق قدراته و مواهبه إلا إذا استطاع المجتمع 
توفير الضمانات الاجتماعية اللازمة لذلك، لهذا كانت حظوظ الفرد المولود على
محور اكتملت فيه صورة الحضارة بجميع شروطها، من حيث احتمال تنمية مهاراته 
الفكرية أو إشباع حاجاته المادية، أوفر حضا من تلك التي تتوفر لفرد أخر 
يولد على محور فقد فيه المجتمع حضارته، حيث تتقلص حظوظه تحت سطوة غياب هذه 
الضمانات، فدور المجتمع في الحفاظ على وتيرة صيرورته التاريخية في هذه 
المرحلة، أو بالأحر المحافظة على بقائه ككائن تاريخي أصبح دورا حيويا من 
خلال ضمان وظيفة الفرد الاجتماعية التي لا يمكنها أن تتحقق إلا إذا استطاع 
هذا الأخير توفير هذه الضمانات الاجتماعية لكل فرد من أفراده. 
و عليه و إذا أردنا أن نخلص إلى تفسير لفكرة المجتمع في الرؤية البنابية، نستطيع أن نحددها من حيث أنه:
كائن مدرك لدوره التاريخي من جهة و متحرك في الزمن من جهة أخر، بل إنه 
دائم الحركة فهو مجدد لخصائص علاقاته الاجتماعية في كل طور من أطوار 
كينونته أي أنه كائن ديناميكي.
كما انه رهين جدلية وظيفته التاريخية 
فهو نتيجة لهذه الوظيفة من جهة، فلا يمكن أن يكون المجتمع مجتمعا إلا إذا 
كانت تحكمه وظيفة تاريخية معينة و أنه من جهة أخرى، مفرز لمقتضيات هذه 
الوظيفة، من حيث اشتراط نزعات الفرد البدائية بشروط الوظيفة التاريخية و 
بمدى قدرته على توفير لكل فرد من أفراده، الضمانات الاجتماعية اللازمة 
للقيام بهذه الوظيفة.
وبالتالي يمكن أن نستنتج من ذلك أن المجتمع في 
النظرة البنابية ليس إلا تجسيد لوظيفة التاريخية ما و التي تظهر صورتها 
الكلية في ما يمكن أن نطلق عليه اسم الحضارة.
مجتمع = وظيفة تاريخية
يقول الأستاذ مالك بن نبي " و هكذا الأمر، فإذا ما تطور مجتمع ما على أية صورة، فإن هذا التطور مسجل كما و كيفا في شبكة علاقاته… 
و عندما يرتخي التوتر في خيوط الشبكة، فتصبح عاجزة عن القيام بالنشاط 
المشترك بصورة فعالة، فذلك أمارة على أن المجتمع مريض، و أنه ماض إلى 
النهاية[v]
بهذه العبارات يسجل الأستاذ مالك بن نبي رؤيته للحظة بداية 
خروج المجتمع من التاريخ، أو اللحظة التي يبدأ عندها فقدان وظيفته 
التاريخية، لحظة بداية تشكل القابلية للاستعمار.
يتفق الأستاذ مالك بن 
نبي مع ابن خلدون في رؤيته لقانون الدورة التاريخية، فالحضارة، إلا سلمنا 
جدلا أن هذا الأخير تحدث عن الدولة باعتبارها اكتمال صورة الحضارة، تبدأ و 
تنتهي في نقطتين منفصلتين في محور الزمن، تشكل الأولى لحظة الانبعاث، يطلق 
عليها الأستاذ مالك مرحلة الروح، كما يطلق على لحظة الأفول مرحلة الغريزة، 
حيث يكشف هذا الطور الأخير من أطوارها تتمة لدورة حضارة ما. 
هذا 
الحتمية التاريخية التي يسجلها الأستاذ مالك، ليست عملا عبثيا يلهو التاريخ
بإخضاع الحضارات إليها، بل هو نتيجة طبيعية لجملة عوامل موضوعية تساهم في 
تفكيك العناصر المنتجة للحضارة. يسجل الأستاذ مالك بن نبي لحظة بداياتها 
عند ظهور شكل جديد من أشكال العلاقات الاجتماعية، تتناقض و مضمون الوظيفة 
التاريخية التي شكلت المجتمع التاريخي لحظة ميلاده، حيث تبدأ هذه الوظيفة 
في فقدان سلطتها على المجتمع لتتحلل بدورها مقتضياتها بشكل متتالي، فيصبح 
نشاط الفرد، كما اشترطت سلوكه هذه الأخيرة عند أول لقاء، إلى حالته 
البدائية و بالتالي ينكص مفعول نشاطه فتعود غرائزه البدائية التي خمد 
مفعولها في الطور الأول من أطوار الحضارة لتحكم في سلوكه، مما يفقده تكيفه 
الوظيفي، و عندها يصبح هذه الأخيرة مجرد سلوك تمليه طبيعة العيش الجماعي 
دون الوعي بغاياته، كما تملي الغريزة على الحيوانات تصرفاتهم البيولوجية، 
لينعكس بدوره هذا التحول في شخصية الفرد على شبكة العلاقات الاجتماعية، 
فتفقد هي الأخرى مركزيتها في تفعيل عالم الأفكار و الأشخاص و الأشياء، مما 
ينجم عنه بالضرورة فقدان المجتمع قدراته على توفير الضمانات الاجتماعية 
اللازمة للعمل الاجتماعي المشترك، وعليه يتولد الاضطراب اجتماعي، لتظهر 
صورته في تعاطي عالم الأفكار مع الإشكاليات العصر، حيث ينحرف تعاطيه 
الوظيفي بإيجاد الحلول المناسبة و الواقعية للإشكالات المطروحة ، إلى 
معالجة قضايا لا تمت بصلة للواقع الاجتماعي، فيصبح بذلك عالم مقطوع الصلة 
بمتطلبات هذا الواقع، مما ينذر بدخول المجتمع مرحلة ما بعد الحضارة، 
المرحلة التي يصبح فيها معرض لأي ظرف طارئ قد يدفع به نحو الاستعمار، فقد 
فقدت الوظيفة التاريخية دورها في شحذ همت المجتمع نحو الغاية التي أسست من 
اجلها و بدوره فقد هذا الأخير ، وظيفته التاريخية[vi]. 
من هنا كان 
الاستعمار في نظر الأستاذ مالك بن نبي، ليس إلا نتيجة طبيعة للقابلية 
المجتمع لهذا الوضع، فإذا ما تفسخت أوضاعه الاجتماعية و الثقافية و 
الاقتصادية، مما يفقده قدرته على الاستمرار في أداء نشاطه الوظيفي، انتهى 
به الحالة إلى أن يصبح كائن مستعمرا[vii] Colonisé. فمجال دراسة الاستعمار 
La colonisation في نظر الأستاذ مالك بن نبي لا يمكن أن تدرس في اللحظة 
التي يدب فيها دبيبه على أرض المستعمرة Le Colonisé حيث اكتملت التركيبة 
التي مكنت المستعمر Le Colonisateur من إتمام صورت فعله الاستعماري، بل 
لابد أن نعود بهذه الدراسة إلى خارج مجال هذه اللحظة، حيث تبدأ بواعثه 
تتشكل في تفاصيل سلوك المستعمر Le Colonisé هذه التفاصيل التي يؤرخ لها 
مؤرخ كابن خلدون حين يصور لنا في كتابه العبر لحظة التي تبدأ فيها بوادر 
القابلية للاستعمار تأخذ مكانها في العلاقات الاجتماعية حيث يكتب متأملا في
أوضاع المغرب الإسلامي قائلا: ". … و كأني بالمشرق ينزل به مثل ما نزل 
بالمغرب، لكن على نسبته و مقدار عمرانه، و كأنما نادى لسان الكون في العالم
بالخمول و الانقباض فبادرة بالإجابة"[viii] أما واشنطن إفرنج في كتابه 
سقوط غرناطة فيصف و بنفس العبارات تقريبا هذه الحالة و لكن هذه المرة من 
منظرو أخلاقي، حين يصف صيحة " الدرويش" في وجه أبي الحسن بعد ما شهد معاملة
هذا الأخير للأسرى الإسبانيين بعد هجومه على قلعة الصخرة سنة 1481، قائلا "
ويلا لنا لقد دنت ساعتك يا غرناطة و لسوف تسقط أنقاض الصخرة على رؤوسنا و 
أن هاتفا ليهتف في نفسي بأن نهاية دولة الإسلام في الأندلس قد حلت"[ix]
إلا أنه و رغم سلبية الاستعمار من الناحية الموضوعية و الأخلاقية، يبقى 
هذا الأخير في صورة من صوره " أثرا سعيدا من آثار تلك القابلية" [x] حيث 
يدفع بالمجتمع نحو التخلص من بواعثها،حين يبدأ هذا الأخير في اكتشاف ذاته 
من جراء ردات فعله عن ممارسات المستعمر Le colonisateur أو بتعبير مالك بن 
نبي حين "… يجد نفسه مضطر ا أن يتخلص من صفات أبناء المستعمرات، بأن يصبح 
غير قابل للاستعمار"[xi]. فبرغم من عدم نبل غايات و أهدافه الاستعمار، فهو 
لم يأتي ليخلص المجتمع من قابليته لذلك، إلا أن طبيعة التدافع بين المستعمر
Le colonisateurو المستعمر Le Colonisé من جهة و حالة الرفض التي تتولد 
لدى المجتمع المستعمر Le Colonisé من جراء الفعل الاستعماري من جهة أخرى، 
تساهمان في تخلص المستعمر Colonies من حالة الركود و الجمود التي نجمت عن 
فقدانه وظيفته التاريخية و بالتالي ينعكس مفعول الاستعمار من كونه عاملا 
مخضعا للمجتمع مشلا لنشاطه إلى دافعا نفسيا و محركا مناسبا لمكنونات 
المجتمع الخامدة، لينتقل بذلك من حالة الركود و الجمود إلى حالة يبدأ فيها 
باسترجاع نشاطه فيعينه ذلك على التغلب على قابليته للاستعمار[xii]، ليصبح 
بذلك الاستعمار في نظر الأستاذ مالك بن نبي ضرورة تاريخية، من حيث أنه عامل
منبه يساهم بطريقة غير إرادية في إعادة بعث القدرة على النشاط (الحركة).
لعلى هذه الرؤية التي ساقها الأستاذ مالك بن نبي إلا تبيئة لنظرية جون 
أرنولد تونبي حين أوعز هذا الأخير التغيير الاجتماعي إلى ما سماه التحدي 
المناسب و الاستجابة ، حيث جعل الأستاذ مالك بن نبي من معامل الاستعمار، 
التحدي المناسب الذي يحرك المجتمع نحو التغيير حين يولد لديه درجة من 
التوتر تجعل استجابته لهذا التحدي كافية لاسترجاع نشاطه الاجتماعي، فيتخلص 
بذلك من براثين الشلل و الخمول، ليعود يشق طريقه نحو البناء، فالثورات التي
تولدت عن استعمار في كثير من البلدان العربية و الإسلامية و ما نجم عنها 
من حراك اجتماعي في صورة أحزاب سياسية و حركات إصلاحية …، سعت إلى تجميع 
قوى المجتمع من أجل القضاء على الاستعمار، لم تكن في حقيقة الأمر، إلا 
تعبير عن استعادت المجتمعات العربية و الإسلامية لنشاطها الاجتماعي، فقد 
استطاعت بالفعل أن تحقق هدفها الرئيسي من خلال حركتها الاستقلالية، إلا أن 
النتيجة الفعلية لهذه الاستجابة، في نظر الأستاذ مالك، لا يمكن أن تحقق 
مبتغياتها الحضارية، إلا إذا استطاعت أن تغيير الإنسان و تصفيه من القابلية
للاستعمار[xiii] بأن تعيد اشتراط سلوك الفرد الاجتماعي لينعكس بذلك على 
المجتمع ليعود بدوره مجتمعا وظيفيا.
و في الخلاصة و إذا جاز لنا أن نصوغ فكرة القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي في شكلا رياضي نستطيع أن نكتبها كالتالي: 
المجتمع = الوظيفة التاريخية
القابلية للاستعمار = فقدان الوظيفة التاريخية
________________________________________
[i] أنظر مقال الأستاذ نذير طيار بعنوان القابلية للاستعمار عند مال بن نبي، قراءة جديدة عن موقع binnabi.net 
[ii] ميلاد مجتمع الصفحة 16
[iii] ميلاد مجتمع الصفحة 27
[iv] لعلى قصة الزير سالم توحي لقارئها بهذه الفكرة التي قالبها الأستاذ 
مالك بن نبي، فقد عمد كليب إلى تغيير نمط عيش قبيلته دون مراعات طبيعة 
غرائز المجتمع البدوي فكانت نتيجة حماقته هذه أن طعنه جساس في ظهره

[vi] هذه اللحظة يسجلها مؤرخ كابن خلدون، مؤرخ مرحلة ما بعد الحضارة أو 
بتعبير أدق مؤرخ مرحلة القابلية للاستعمار يقول واصفا هذا الوضع الاستثناء 
في كتابه العبر، حيث يكتب بعد أن يصف أوضاع المغرب و حالات التنازع و 
التفكك و الفاقة و المرض التي أصابته، فيقول: ". … و كأني بالمشرق ينزل به 
مثل ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته و مقدار عمرانه، و كأنما نادى لسان 
الكون في العالم بالخمول و الانقباض فبادرة بالإجابة مالك بن نبي ميلاد 
مجتمع شبكة العلاقات الاجتماعية – ترجمة عبد الصبور شاهين الصفحة 42 

تقريبا و بنفس العبارات يرسم كتب سقوط غرناطة لواشنطن إفرينج هذه الحالة و 
لكن هذه المرة من منظرو أخلاقي، حين يصف صيحة " الدرويش" في وجه أبي الحسن 
بعد ما شهد معاملة هذا الأخير للأسرى الإسبانيين بعد هجومه على قلعة الصخرة
سنة 1481، قائلا " ويلا لنا لقد دنت ساعتك يا غرناطة و لسوف تسقط أنقاض 
الصخرة على رؤوسنا و أن هاتفا ليهتف في نفسي بأن نهاية دولة الإسلام في 
الأندلس قد حلت"
[vii] إنه من الضروري أن نفهم أن من مقتضيات وجود 
المجتمع على مسرح التاريخ أو في محور الحضارة يقتضي منطقيا وجود صراع بينه و
بين مجتمعات أخر ، فأي فكرة تستطيع أن تجد لها مكان في التاريخ إلا عملة 
على توسيع نطاقها المكاني و بالتالي كان الزحف على المجتمعات الآخرة و خاصة
المجتمعات التي بدأ يدب فيها الضعف، أمر يحتمله التاريخ ، فالاستعمار ليس 
إلا رغبة فكرة ما على التوسع لكنها فقدت روحها الخلقية، من هنا نعتقد أن 
الفرق بين الفتحات الإسلامية و الغزوات الاستعمارية يكمن في هذا البعد 
الأخلاقي لفكرة التوسع . 
[viii] مالك بن نبي مجالس دمشق الصفحة 42 دار الفكر 
[ix] واشنطن إفرنج سقوط غرناطة الصفحة 37 ترجمة الأستاذ إسماعيل العربي
[x] مالك بن نبي وجهة العالم الإسلامي الصفحة 84
[xi] وجهة العالم الإسلامي مالك بن نبي صفحة 84
[xii] ليس الثورات التي نشبت في البلدان العربية و الإسلامية ضد الاستعمار
إلا دليل على هذه الفكرة التي قال بها الأستاذ مالك بن نبي
[xiii] 
يقول الأستاذ مالك بن نبي في كتاب بين الرشاد و التيه في صفحة 51 " فثورة 
ما لا تستطيع بناء وضع جديد و الحفاظ على مكتسباتها إلا إذا كان أثره في 
تصفية الاستعمار، فعالا في تصفية الإنسان من القابلية للاستعمار، فتصفية 
الاستعمار في الإنسان تشرط تصفيته في الأرض و يجب أن تتقدمها"

0 التعليقات:

إرسال تعليق

بحث

التصنيفات